الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

186

شرح ديوان ابن الفارض

الحقيقة الغيبية . وقوله والصباح : أي وكالصباح ، أي نوره الذي إن أشرق على ظلام الأكوان أفنى الأكوان كنور الصباح الذي إن أشرق على ظلام الليل أعدمه . وقوله والليل : أي وكالليل من جهة الفرع ، أي الشعر النابت من الشعور بمعنى الإدراك وهو شعور العقول بالمعاني الثابتة في نفوسهم فإنها له تعالى بحكم لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ البقرة : الآية 284 ] ، أي سماوات الأرواح وأرض النفوس . وقوله منه : أي من ذلك المحبوب الحقيقي . وقوله حاذى إلحاذا : أي وصل إلى حذاء الظهر من طوله فإن الشعور والإدراك النفساني متصل بعضه ببعض طويل إلى أن ينكشف الأمر الإلهي على ما هو عليه وتشهد البصيرة خلق اللّه فيذهب الليل ويأتي نهار العرفان . اه . حبّيه علّمني التّنسّك إذ حكى متعفّفا فرق المعاد معاذا [ الاعراب ] « التنسّك » : التعبّد ، وعفّ واستعفّ وتعفّف فهو متعفّف كفّ عمّا لا يحلّ ولا يجمل ، والفرق كفرح الفزع والمعاد بفتح الميم ، وبالدال المهملة الآخرة . ومعاذ بضم الميم والذال المعجمة على صيغة اسم المفعول هو معاذ بن جبل الصحابي رضي اللّه عنه . وقوله حبّيه : مبتدأ مضاف إلى الياء وهي الفاعل ، والهاء مفعوله ، أي حبّي إيّاه ، وجملة علّمني التنسّك من الفعل والفاعل والمفعولين في محل رفع على أنها خبر المبتدأ . وإذ : تعليلية وهي حرف بمنزلة لام العلّة ، وقيل هي ظرف ، والتعليل حينئذ مستفاد من قوّة الكلام لا من اللفظ وتكون إذ حينئذ مضافة إلى الجملة بعدها وفاعل حكى ضمير يعود إلى الحبيب المتحدّث عنه . ومتعفّفا : حال منه . وقوله فرق المعاد : منصوب على أنه مفعول حكى . والمعنى : حبّي لهذا الحبيب علّمني التنسّك لأنه متعفّف تارك ما لا يحلّ ولا يجمل حاكيا لمعاذ الصحابي في ذلك ، ومن أحبّ أحدا تعيّن عليه أن يسلك طريقه ، ولذلك قال القائل : لو كان حبّك صادقا لأطعته * إن المحبّ لمن يحبّ مطيع وقد أحسن القاضي ابن عبد العزيز الجرجاني حيث يقول : أحبّ اسمه من أجله وسميّه * ويتبعه في كل أخلاقه قلبي ويجتاز بالقوم العدى فأحبّهم * وكلهم طاوي الضمير على حربي وفي البيت الجناس المصحّف المحرّف بين معاد ومعاذ .